جماليات العزلة ورمزية الاغتراب: قراءة في “هكذا رأيتنا” للدكتور جمال التلاوي ومقاربتها مع “الضلع الآخر للموت” لجابرييل جارسيا ماركيز
دراسة مقارنة : حسين أبو الحسين
يُعدّ الأستاذ الدكتور جمال التلاوي واحداً من أعلام الأدب العربي المعاصر، جمع بين الإبداع السردي العميق والوعي النقدي الرصين، فكان رائداً أدبياً مميزا و إلى جانب عطائه الإبداعي، أسهم التلاوي في تدريس الأدب الإنجليزي و فنون النقد و الترجمة لأجيال كثيرة ، ليغدو حضوره علامة فارقة في المشهد الأدبي والأكاديمي، يجمع بين أصالة اللغة العربية و آفاق الفكر العالمي.
مقدمة
ما إن بدأت قراءة نص الدكتور جمال التلاوي “هكذا رأيتنا” حتى قفز إلى ذهني نص جابرييل جارسيا ماركيز “الضلع الآخر للموت”. ربما لأن كليهما ينطلق من إشكالية وجودية عميقة، ويستند إلى رمزية الطرح في فصل الذات إلى أنوات داخلية متعددة، حيث يلتقي الفن بالتأمل الفلسفي، وتتحول العلامة السردية إلى أداة للكشف عن أبعاد الوجود الإنساني. في هذا السياق، يقدّم التلاوي نصاً متفرّداً يتسم بالعمق الرمزي والهدوء التأملي، ويكشف عن عزلة الإنسان خلف الحواجز النفسية والاجتماعية، بينما يفتح ماركيز أفقاً فلسفياً واسعاً حول جدلية الحياة والموت.
الرمزية في نص التلاوي:
يبني التلاوي نصه على شبكة من الرموز البليغة، أبرزها الجدار الزجاجي الذي يفصل الذات عن الجماعة، وأنصاف الرؤوس التي تتحول إلى أوعية فارغة تُملأ بقطرات المطر وأوراق الريح. هذه الصور ليست مجرد تفاصيل سردية، بل علامات وجودية تكشف هشاشة الداخل وانشغال الإنسان بذاته. وفقاً لمفهوم الرمز كعلامة وجودية ، فإن هذه الصور تُقرأ بوصفها إشارات تكشف عن فراغ الداخل وانفصال الذات عن الآخر، بما يعكس عزلة نفسية واجتماعية عميقة.
الإيقاع السردي والبعد الشعري
– يتسم النص بإيقاع تكراري يمنحه طابعاً شعرياً تأملياً. فالتكرار في “هكذا رأيتنا” ليس مجرد تقنية شكلية، بل وسيلة لترسيخ الشعور بالجمود واللاجدوى، وهو ما يذكّرنا بمفهوم العبث عند ألبير كامو، حيث يتجلى الإحساس باللاجدوى في تكرار الأفعال دون جدوى. بذلك يغدو النص أقرب إلى لوحة ساكنة مشحونة بالرمز، تُعيد إنتاج تجربة الاغتراب في صياغة جمالية متوازنة بين السرد والشعر.
– البعد الفكري والوجودي
يطرح التلاوي سؤالاً وجودياً حول جدوى الانغماس في الذات، ويكشف عن هشاشة الكيان الإنساني حين ينفصل عن الجماعة. هذا الطرح يتقاطع مع رؤية جان بول سارتر حول الوجود في ذاته والوجود للآخر، حيث يُظهر النص كيف يتحول الانفصال عن الآخر إلى فقدان للمعنى، ويؤكد أن الذات لا تكتمل إلا في علاقتها بالجماعة. إن قوة النص تكمن في قدرته على تحويل تجربة الاغتراب إلى علامة فلسفية، تجعل القارئ يعيد التفكير في علاقة الذات بالعالم.
– مقارنة مع نص ماركيز
….
. وإذا كان نص ماركيز يوسّع أفق الوجود ليشمل جدلية الحياة والموت، فإن نص التلاوي يضيء الجانب الداخلي للإنسان، ويكشف عن عزلة الذات خلف الحواجز الرمزية.
فبينما يكتفي التلاوي في “هكذا رأيتنا” برصد عزلة الإنسان خلف الحواجز، يغامر ماركيز في “الضلع الآخر للموت” بطرح سؤال الخلود كجزء من معادلة الوجود. كلاهما نص رمزي عميق، لكن التلاوي يقدّم لوحة ساكنة مشحونة بالاغتراب.
في حين يقدّم ماركيز نصاً جدلياً يوسّع أفق الحياة والموت، ليؤكد أن الأدب الرمزي قادر على مساءلة المصير الإنساني من زوايا متعددة تجمع بين التأمل الداخلي والجدل الكوني. فبينما يغامر ماركيز في “الضلع الآخر للموت” بطرح سؤال الخلود كجزء من معادلة الوجود.
يقدّم الدكتور جمال التلاوي في “هكذا رأيتنا” نصاً متفرّداً يرصد عزلة الإنسان خلف الحواجز ويحوّلها إلى لوحة رمزية آسرة. كلاهما نص رمزي عميق، غير أن التلاوي يقدّم تجربة سردية تتسم بالهدوء التأملي والعمق الإنساني.
وتكشف عن قدرة الأدب العربي المعاصر على مساءلة المصير الإنساني بلغة جمالية رفيعة. إن “هكذا رأيتنا” نص منفرد في صياغته ورؤيته، يرسّخ حضور الدكتور جمال التلاوي كأديب بارز ، قادر على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى إشارات كبرى على الوجود، ويؤكد مكانته كعلامة أدبية متميّزة في المشهد الثقافي العربي.

دراسة : حسين أبو الحسين.
اقرأ المزيد:
شرفة تطل على ” النهر ” قصة قصيرة : جمال التلاوي
هل يرشح وزير الثقافة الدكتور جمال التلاوي لرئاسة هيئة الكتاب
ظهرت المقالة جماليات العزلة ورمزية الاغتراب: قراءة في “هكذا رأيتنا” للدكتور جمال التلاوي ومقاربتها مع “الضلع الآخر للموت” لجابرييل جارسيا ماركيز أولاً على أحداث العرب.