في خطوة وُصفت بأنها “ثورة لحماية الصحة العقلية”، وافقت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) بأغلبية ساحقة (130 صوتاً مقابل 21) على مشروع قانون تاريخي يمنع الأطفال دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي. هذا التشريع، الذي يدعمه الرئيس إيمانويل ماكرون بقوة، يضع فرنسا في طليعة الدول التي تخوض معركة مباشرة ضد “الإدمان الرقمي” وخوارزميات الشركات الكبرى.
“أدمغة أطفالنا ليست للبيع”
بهذه الكلمات الحازمة، علّق الرئيس ماكرون على التصويت، مشبهاً السماح للأطفال بدخول السوشيال ميديا دون رقابة بـ “وضع مراهق في سيارة فورمولا 1 قبل أن يتعلم القيادة”. ويهدف القانون الجديد إلى معالجة قائمة طويلة من المخاطر التي حددها الخبراء، تشمل:
- تدهور الصحة النفسية: القلق، الاكتئاب، وتدني تقدير الذات الناتج عن المقارنات الاجتماعية المستمرة.
- الأمن السيبراني: حماية الأطفال من التنمر الإلكتروني، والتحرش، والتعرض لمحتوى عنيف أو جنسي غير لائق.
- الاستقلال الذهني: الحد من تلاعب الخوارزميات (سواء كانت أمريكية أو صينية) بعقول الناشئة.
بنود القانون: الحظر الشامل والاستثناءات الذكية
لا يكتفي القانون الجديد بكلمة “حظر” فقط، بل يضع آليات واضحة للتطبيق، ومن أبرز ملامحه:
- حظر شامل للمنصات: يشمل الحظر تطبيقات مثل “تيك توك”، “إنستغرام”، “سناب شات”، و”فيسبوك”.
- تعطيل الحسابات القائمة: لن يكتفي القانون بمنع الحسابات الجديدة، بل تلتزم المنصات بتعطيل أي حساب حالي يخص طفلاً دون الـ 15 بحلول 31 ديسمبر 2026.
- الاستثناءات: يُستثنى من هذا الحظر الموسوعات الرقمية (مثل ويكيبيديا)، المنصات التعليمية، والبرمجيات مفتوحة المصدر، لضمان عدم إعاقة المسار التعليمي للطلاب.
- الهواتف في المدارس: يترافق القانون مع قرار بمنع استخدام الهواتف المحمولة تماماً في المدارس الثانوية، لتعزيز التركيز الأكاديمي.
الجدول الزمني والتحديات التقنية
من المتوقع أن يمر القانون عبر مجلس الشيوخ للمراجعة النهائية في منتصف فبراير 2026، على أن يدخل حيز التنفيذ رسمياً مع بداية العام الدراسي في سبتمبر 2026.
لكن السؤال الأكبر يظل: كيف سيتم التحقق من العمر؟
تعتمد فرنسا حالياً على تطوير أنظمة تقنية متطورة للتحقق من الهوية الرقمية بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، بما يضمن الامتثال لـ “قانون الخدمات الرقمية” (DSA)، مع إلزام الشركات العالمية بتحمل المسؤولية القانونية والمادية في حال الفشل في تصفية المستخدمين القاصرين.
ردود الفعل: بين الترحيب و”الوصاية الرقمية”
بينما لاقى القانون ترحيباً واسعاً من جمعيات أولياء الأمور والأطباء النفسيين، إلا أنه لم يخلُ من الانتقادات. وصف بعض المعارضين، مثل النائب أرنو سانت مارتن، القانون بأنه نوع من “الوصاية الرقمية”، معتبرين أن الحل يكمن في توعية الأطفال ومحاسبة المنصات على المحتوى، بدلاً من الحظر الشامل الذي قد يدفع المراهقين للجوء إلى طرق غير قانونية للوصول للإنترنت.
فرنسا تلحق بأستراليا في “النادي الصارم”
بهذا القرار، تصبح فرنسا ثاني دولة في العالم تتخذ مثل هذه الإجراءات الصارمة بعد أستراليا (التي حظرت السوشيال ميديا لمن دون الـ 16 عاماً في ديسمبر الماضي). وتراقب دول أخرى مثل بريطانيا والدنمارك التجربة الفرنسية عن كثب، مما يشير إلى تحول عالمي في كيفية تعامل الحكومات مع سيطرة “وادي السيليكون” على حياة الأجيال القادمة.
التدوينة زلزال رقمي في باريس: فرنسا تقر “حظر السوشيال ميديا” لمن دون الـ 15.. فهل تنجح في مواجهة الخوارزميات؟ ظهرت أولاً على المقال نيوز.